أحمد ياسوف

174

دراسات فنيه في القرآن الكريم

الشقوق النفسية تستشري آخذة بالزيادة في مشهد عرضي ، كل هذا في صورة باطنية ليس لها حدود مقيسة . وكذلك القوة والشرعة في حركة التقلب ، كما في قوله عز وجل : لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ [ آل عمران : 196 ] ، ويقول أبو السعود العمادي في هذه الآية : « إنما جعل التقلب مبالغة أي لا تنظر إلى ما عليه الكفرة من السّعة ووفور الحظ ، ولا تغترّ بمظاهر ما ترى من التبسط والمكاسب أو المتاجرة أو المزارع » « 1 » . ونلمس سرعة التجار من الكفرة ونشاطهم بين المدن والقوافل ، وكأن البلاد الواسعة أطراف فراش يتقلّب بينها التاجر ، وهذا يعني عمق تأثير الموقف لدى الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام ، ولا يكون هذا بكلمة « تجارة » أو « ذهاب » ، إنه تقلب ، كل حال منه تتلو الحال الأخرى في حركة مستمرة ناشطة . وقد ذكر معاني التقلب والانقلاب في القرآن الكريم خمسا وثلاثين مرة ، وهي دالة على قوة الحركة وسرعتها ، فنذكر منها الحركة الخيّرة المباركة في وصف صلاة النبي عليه الصلاة والسلام ، قال تعالى : الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ ( 218 ) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ [ الشعراء : 218 - 219 ] ، فالتقلب هنا يعبر عن الحركة الرشيقة التي كان دافعها الإيمان القوي الراسخ ، وهذا التقلب يعطي للباصرة مشهدا يشتمل على جسم يتضاءل مع الحركة المستمرة ، وهذا معبر عن الخشوع والإنابة والإحساس بالهيبة ، فمن كثرة القيام والركوع والسجود صارت الحركة المتكررة تقلبا معبرا عن طواعية العضلات لهذه العبادة . ومنه الآية الكريمة على لسان موسى عليه السلام : يا قَوْمِ ادْخُلُوا

--> ( 1 ) إرشاد العقل السليم : 2 / 135 .